الرزق السائب والمال الحرام



 


 

"المتين قرية يشرب أهلها من مياه ينابيعها ومن مياه تلك الينابيع تشرب مواشيها ومزروعاتها وفق نظام مضبوط  وذلك منذ أن كان في المتين إنسان وزرع ومواشي أما النظام هذا فيعرف بِالعدّان".
موريس فيفري
 ليون - فرنسا  1950

 

والعِدَان” هو زمان الشيء بحسب المعاجم

الكلمة نحويّة خالصة وفي ديارنا جبليّة أصيلة.

كان في ديارنا ناطوران  يسهران على توزيع مياه  "نبع السِّد" المتدحرجة من علو يناهز

1600مترا في قناة بدائيّة التوليف تكرّ كرّا محكما  باتجاه  المتين .

يبدأ عمل الناطورين في بداية  تموز وينتهي مع موسم هطول الأمطار  في شهر تشرين الثاني.

كانا يوزّعان  مياه "القناية" على المزارعين بحسب ما اتَفق المتينيون في ما بينهم يوم سنحت لهم ظروف الإتفاق عندما انتقلت الملكية اليهم في منتصف القرن التاسع عشر بالشراء او بوضع اليد . فتحولوا من فلاحين ورعيان وحرفيين الى ملاكين مزارعين مع انهيار النظام الإقطاعي و"قصر يد" آل ابو اللمع في حماية املاكهم فأهملوا ما كان بعيدا عن العين والقلب من أراضيهم.

صار الجرد ملكا للناس كما صارت المياه جزءاً من الأملاك فيُوَرَّثان ويُباعان   ويقسّمان معا في حال تعدد الورّاث.

 

وتكرّ مياه السّد المتجمّعة بجوار طريق المروج عينطورة في محلة تدعى بشلاما  تنطلق من
هناك نزولا لتروي من الشرق الى الغرب  وعبر فتحات متتالية  موزّعة  عرضيا بين جنوب

المتين  وشمالها   بين "مدرسة الرهبان"  و"خندق الرهبان" ، و"الصفحة" و"عين القصب" وسواها من الحيارات  المزروعة خضارا وثمارا  بين حزيران والتشارين.

ولا تكرّ مياه السد على هواها او على ما يشاؤه النواطير او على ما يأمر به اصحاب النفوذ من
الملاكين الكبار. بل تكرّ ثم تدار وفق نظام صارم  هو "العدّان" أو 383 ساعة مياه (والساعة
ستون دقيقة)  توزّع بالساعة  والنصف وربع الساعة المملوكة. على كافة  الملّاكين . وتكبر أو تصغر كمية الساعات المملوكة بحسب ما لدى الملاكين  من اشجار توت  (كراخين حرير
) وطواحين وأراض تقاس مساحتها بأيام الفلاحة على الفدّان.*

كان  "العدّان" من مياه السّد يستمر 15 يوما و23 ساعة ري . ثم  تعاد الكرة انطلاقا من بشلاما وبالإتجاهات ذاتها لِ 15 عشر يوما و23 ساعة  أخرى وهكذا دواليك حتى انقضاء موسم الري.

عام 1945 غيّر الملّاكون المتينيون بالتوافق نظام "العدّان" . فصارت الوحدة الزمنية (اي
الساعة) 40 دقيقة  بدل الستين وصار "العدّان" يستمر 10 أيام و15 ساعة وعشرين دقيقة ،
فإذا بالمزروعات تروى كل عشرة أيام بدل 15 يوما وفي الأمر حكمة  خلال تموز الذي تغلي
فيه المياه في الكوز و في شهر  آب اللهاب كما كان يقال عن ذينك الشهرين حيث تبلغ فيهما
الحرارة ذروتها
.

 

 1 - Un village du Liban. El Mtaïne (note de géographie humaine) [article] Maurice Févret  

  Revue de géographie jointe au Bulletin de la Société

de

géographie de Lyon et de la région lyonnaise  Année 1950 Volume 25  Numéro 4  pp. 267-287

 

 لقد تعطل هذا النظام مع وخلال وبعد الحرب (1975-1990) .  ضُمّت مياه نبع السد والسكر  الى بقليع   فكونت جميعها مياه الشفة التى تدخل الى منازل المتينيين فيستعملونها لمختلف مقتضيات حاجاتهم على تنوعها والغيت قناة الجر "القناية"  التي كانت تروي المزروعات أيام الصيف. وفي ذلك شيء من عدم الإنصاف لأن  ملكية مياه نبع السد  تتفاوت بين مالك صغير ومالك كبير.  وكبار ملاكي المياه كانوا : اللمعيين و آل عقل وبعضا من آل الناكوزي  وسواهم بحسب تدرّج ملكية "ساعات الجر" وفقا لمضبطة المياه كما تحدّدت عام 1861 * . غير أنه وبشيء  من التضامن القروي  غضّ كبار الملاكين المتينيين  قبل صغارهم  النظر عن هذا  الموضوع  وقبلوا أن توزع المياه على المتينيين بالتساوي على المنازل ليستفاد منها في الشرب والزرع معاً

ولكن !

وخلال الحرب الأخيرة 1975-1990  جرى تلاعب في الأسس التي كانت تدار بموجبها أمور الري . اول التلاعب كان بإخفاء الخريطة الأساسية لمنطقة السد والقصة هذه  نرويها كما جاءت في تقرير الخبير المحلف خليل نون الذي عينه قاضي الأمور المستعجلة في المتن الرئيس أنطوان طعمة  للنظر بأحوال مياه وممتلكات السد  وذلك بطلب من  مختاري المتين مارون الناكوزي ووليد القنطار.

...

يقع الخزان الأساسي لمياه المتين في منطقة السد وقد احتوت هذه المحلّة على خمسين نبعاً مصدرها الثلوج ومياه الأمطار . وقد حماها أصحاب الملكيات الكبرى من التلوّث عبر إحاطتها بحوالي 165 الف متر مربّع  من الأملاك  التي تنازلوا عنها  فصارت عامّة و"أحرام للمياه"  وهي أملاك خاصة ارتضى ملاكوها  أن يحظّر البناء عليها.

لقد حُصّن هذا الإتفاق القروي العملي بمرسوم جمهوري على عهد الرئيس بشارة الخوري حمل الرقم 2782/ك بتاريخ10  آذار عام 1945 ارفق بخريطة مساحة ومحضر حدود  أودعا  وزارة  الأشغال. وقد حدّدت  الخريطة مواقع الأملاك العامّة ومواقع "أحرام المياه" كما بيّنت  موقع الينابيع وخطوط جريانها حتى وصولها الى مجرى المياه الرئيسي.

... وفي عزّ الحرب  وبينما كان أهل المتين مشغولين  بتدبير أمورهم التهجيرية الكارثية كانت "الأفاعي" تزحف في الجرد للتعدّي على ينابيع السّد.

كانت الخطوة الأولى على طريق التعدّي  إخفاء الخريطة الأصليّة المرفقة بالمرسوم  الجمهوري   وقد تمّ  إخفاء الخريطة  أولا من وزارة الأشغال حيث كانت مودعة كما أخفيت من الدوائر الرسمية الأخرى.

أما الخطوة الثانية فكانت في تزوير  وتحوير الخريطة المرفقة بالمرسوم الجمهوري 2782/ك

الخطوة الثالثة كانت بإعطاء التزوير طابعا رسميا وقد تمّ ذلك بِ  :

أ -  مهر الخريطة المزوّرة بختم بلديّة المتين مع عبارة طبق الأصل والتوقيع عليها.

ب -  مهر الخريطة المزوّرة بختم المكتب الفنّي في التنظيم المدني في المتن مع عبارة طبق الأصل والتوقيع عليها.

فجاءت نتائج التزوير مدمّرة لجهة التعدّي على الأملاك العامة والينابيع.

لقد  قلّصت  الخريطة المزوّرة الأملاك العامّة بنسبة 35%  ( حوالي 32 ألف متر مربّع) وألغت "الحرم" كلّياً ومساحته 75 الف متر مربّع  وخلقت ينابيع وهميّة لا وجود لها على أرض الواقع .

صُدّقت محاضر المسح للواقع الجديد المزوّر  تباعاً في أعوام 2006 و 2009 و 2011 وتحوّل التعدّي من مؤقت الى نهائي .

 

أعْلًم  المخاتير والأهالي في 28 11 2016  بلديّة المتين ومشيخا بالتعدّي الحاصل  وطلبوا من البلديّة إتخاذ التدابير القانونية والقضائية  اللازمة، وقد تمّ تقديم  كتاب للبلدية بهذا الموضوع سجل في البلدية برقم 1311 . وبقي هذا الكتاب دون جواب.

نظرا لعدم تجاوب البلدية تقدّم مختارا المتين  وليد القنطار ومارون الناكوزي من حضرة قاضي العجلة في المتن بطلب تعيين خبير لكشف التعدّي على الأملاك والينابيع ، فصدر قرار 40/2017 بالإستجابة لقرارهما.

لقد أثبت تقرير الخبير القضائي كافة الوقائع التي سردناها أعلاه إضافة الى الوقائع المهمّة التالية :

لقد ساهمت بلدية المتين في شق الطرقات العامّة والخاصّة داخل الأملاك العامة وبمحاذاة الينابيع  ومجاري المياه وقطّعت أوصالها وذلك بتاريخ لاحق لسنة 2014.

أقدمت البلديّة على تعبيد هذه الطرقات وزرع عواميد الكهرباء بتاريخ لاحق لسنة 2014

استحدثت جسراً من الباطون على مجرى المياه للمرور الى أملاك كانت  عامّة وأصبحت خاصّة بتاريخ لاحق لسنة 2014

تم انشاء بحيرة ضمن الأملاك العامة بمساحة 2300 م2 من قبل أحد المتعدّين الملاكين وذلك لسرقة مياه عدّة ينابيع  بعد عام 2013 بدون أي رادع من قبل البلديّة كما أعطت رخص بناء واسكان لأبنية ضمن الأملاك العامّة برغم من وجود اشارات على إفاداتهم العقارية.

 

 والعجب في أن ترفض بلدية المتين ومشيخا تسليم الخبير القضائي المستندات والخرائط المتعلّقة بينابيع السد والأملاك العامّة كما رفضت الجواب على أي سؤال من اسئلة الخبير الخطيّة والتي سجّلها في البلدية برقم 221 تاريخ 11 03 2017 مما أدى الى عدم تسهيل مهمّة الخبيرفي كشف الحقيقة.

بعد عدم التجاوب الكلّي من قبل بلديّة المتين ومشيخا أصدر قاضي العجلة قرارا  بتكليف بلدية المتين ومشيخا بتسليم المستندات للخبير والجواب على أسئلته وبالرغم من ذلك رفضت البلدية الجواب.

إن ما حصل يلقي العديد من علامات الإستفهام حول موقف البلدية المعارض لتسليم المستندات ومساعدة الخبير على كشف التزوير.

ومن ناحية أخرى  فقد إعترف  رئيس فرقة التحديد والتحرير الذي أجرى المساحة في المتين  السيد عبدالله حدّاد بحصول التعدي (وهذا مثبت في تقرير الخبير) على الأملاك العامة اثناء المساحة بموجب محضر رسمي موقع منه أمام الخبيروأبدى استعداده للدلالة على مواقع الينابيع والعقارات المعتدى عليها. كما سلّم السيد حدّاد الخبير خريطة مطابقة للخريطة الأصليّة تبين مواقع الينابيع والأملاك العامّة مناقضة للخريطة المزوّرة المتداولة.

من خلال ما تقدّم  ومن خلال الطلب من جريدتكم الغراء نشر هذه المقالة ، يهدف حراك 23 تشرين المدني (1) في المتين الى :  

1-   كشف الإهمال الحاصل وكشف كل من ساهم عن  قصد أو عن غير قصد  في التعدي على أملاك المتين العامة وأحرام مياهها وينابيعها.

 2 -  إعلام الرأي العام اللبناني عامة بهذه القضية عملا بحق الناس في معرفة ما يجري في بلادنا من إجرام أو إهمال أو تضليل أو إثراء غير مشروع (2) على حساب الطبيعة والإنسان وبالتالي التنبّه الى ما يمكن ان يحاك في سائر المدن و القرى والدساكر.

إن  مياهنا واملاكنا العامّة حق لاولادنا والأجيال المقبلة فلنحافظ عليها.

 

شربل نجار



(*) كانت ساعات العدّان تُشرى فتنتقل من مالك الى آخر.  لهذا أجريت تعديلات كثيرة على المضبطة بين عام 1861 وحتى فترة توزيع المياه على المتنيين بالتساوي والغاء قناة الجر في نهاية حرب لبنان(1975- 1990).



(1) إن حراك 23 تشرين المدني هو تجمع مواطنين من المتين هدفه حث المسؤول على الإسراع في تلبية حاجات المتين الإنمائيّة والدفاع عن حقوق المتينيين.


(2) إن باني البحيرة بمساحة 2300م2 والذي يسرق مياه عدّة ينابيع هو نفسه من سهل لبلدية ضهر الصوان رمي نفاياتها في المنطقة ذاتها وكان يتقاضى عل كل شاحنة مبلغا كبيرا من المال معرّضا عددا كبيرا من ينابيع السد المتينيّة  للتلوث. واليوم يلاحقه مخاتير المتين والبلدية بعد تلكّؤ بدعوى قضائية.

أجرِيَ هذا البحث بالإستناد الى :

التقرير المرفوع من الخبير المحلّف خليل نون الى قاضي الأمور المستعجلة في المتن الرئيس أنطوان طعمة.

الوثائقي  المصوّر الذي وزّع على المتينيين من قبل وكيل المختارين ، المحامي الأستاذ جهاد  بو نادر على صفحته على الفايسبوك  .

مقالة  وثيقة صدرت في  ليون – فرنسا ،  للجغرافي  موريس فيفري الذي جاء الى المتين في نهاية الأربعينيات وزار منطقة الجرد بما فيها السد والسكر وبقليع وكشف على التربة ومصادر الينابيع  وقد نشر مقالته  في مجلة الأبحاث الجغرافية في ليون عام 1950.

 

مشاهداتنا الشخصيّة على أرض الواقع.

موتورات تسرق مياه خزانات المتين في منطقة السد
وخزانات الأبنية المخالفة في السد  ملأى حتى الجمام