رجل نقيض الإنقلاب الفاشل-3





 
هيك صار

أنا لا أعرف بكل التفاصيل  التي عاشها نصري في ذلك البيت المتفرِّع من شارع مار لويس في الأشرفيّة  والمحاذي لمنزل نصري الوالدي، والذي استأجره رامح في المحلّة ذاتها لإبعاد الشبهات ، فهل يُعقل أن يكون نصري  ساكنا قرب بيته !؟ ما من أحد سيفكّر بالبحث عنه هناك، ولم يبحث أحد.

 

منزل رامح العائلي كان على مسافة مئتي متر من  مكان إقامة  نصري . وكان والده، شبل بارود ، قد استأجر شقة في بناء لعبدو قرياقوس ابو سليمان (أبو فريد) حيث التأم شمل الشباب و"لودي" آخر العنقود .  جورج بو نادر هو أيضاً  يقطن وعائلته  بجوار كنيسة مار متر وعلى بعد دقائق من محل إقامة نصري. أكثر المنازل بعداً ، منزل سليمان بولس بو سليمان  الذي يجاوركنيسة  السيدة  للروم الأرثوذكس في منطقة كرم الزيتون.

 

"سكنوا كلهم على بعضهم" كما يقالُ فوق في المتين!

وليس من باب المغالاة إن قلنا  أن أشرفيّة تلك الأيام كانت  ملعب آمالنا وأحلامنا ومربط خيلنا  ومكان تفلّتنا ومدرسة تحرّرنا . فيها جزء من طهارة ومَلعَنةِ فوق! وفيها رهافة حس وكثافة تواصل وتطبُّع في عالم مديني فتح لنا ذراعيه وعلّمنا التجوال في مشارق الأرض ومغاربها.

 

بيروت لها علينا كالمتين وأكثر! .

وفي بيروت  وبعد العمل كانت السهرة  عند نصري. فإمّا  جوجلة لأوضاع السياسة وإما "دق طرنيب". وبين الحين والحين يطرح أحدهم السؤال : هل حان موعد انتقال نصري الى  خارج لبنان؟.

 

 الكل كان يعطي رأيه وكان سليمان يستفيض. جورج  يستمر على صمته الدّهري كصمت أبي الهول، ينفث بمبسم نارجيلته ويرفع حاجبيه  كلما توجّهوا اليه بالسؤال.

 

في صباحات تلك الأيام كان يدلف رامح الى الشّقة ، هذا إن لم يبِت فيها ليلته.  وعلى الحالين   كان يؤمّن لنصري كل صباح حوائج  يومه من الدكاكين المجاورة  وجريدة التلغراف جريدة السلطة آنذاك وجريدة النهار المعارضة و المغضوب عليها، فغسان تويني  ككل السوريين القوميين الذين تركوا الحزب لم يتركوا هواه . لقد حمل التويني لواء المعارضة ضد عبد الناصر وناصَرَ شمعون والملك حسين  بينما كان سعيد فريحة صاحب مملكة  دار الصياد   يصدر الأنوار  ويلبّي في السياسة رغبات الناصريّة  الداعمة للدار مادياً والحاضنة لحكم فؤاد شهاب على كافة المستويات.

 

كان نصري يقرأ الصحف ويتلهى بالتبصير،  لا يفارق مسمعه صوت الترانزيتور يقلّب إبرته بين إذاعة لبنان من بيروت ودار الإذاعة البريطانيّة التي كانت تبث من قبرص باللغة العربيّة.

وعند العصر يبدأ بتحضيرِ "مازة الكاس" استعدادا لسهرة الطرنيب.

 

في إحدى سهرات أواخر نيسان نظر جورج الى سليمان بولس وقال له "هات اعطينا تزكرتك"! فسحب سليمان دون سؤال بطاقة هويّته من داخل سترته وسلّمها لجورج. اصفر نصري ، حملق رامح وذُهِلَ سليمان.

 

"غدا ظهرا نُخرِج نصري من لبنان"  قالها جورج ببساطة قوله "صباح الخير" لم تربكه اللحظة بل اربكت سامعيه . ثمّ تابع : " لقد ارسلت من يحجز له المكانين الأمامين في احدى سيّارات "كاراج العلمين" المتوجهة الى الشام . وسينتظرها نصري في الشياح قبل طلعة الشوفروليه الموصلة الى دار الصيّاد.

 

لم يكن قرار جورج إرتجاليا. كان يصعد ثلاث مرات في الأسبوع من بيروت الى دمشق. يراقب الطريق مترا تلو متر  وبيتا تلو بيت وضيعة بعد ضيعة . يسجّل أماكن حواجز  التفتيش وأوقات تمركزها و تكاثرها أو انفراطها. في أواخر نيسان لاحظ أن السلطة تراخت والحواجز غابت عن ذلك الطريق الدولي ....  فقرّر.

 

في الثامنة من صباح اليوم التالي كان الثلاثة يعتنون "بالعريس " . لقد صبغوا له شعره و"مكيجوه" كي تظهر عليه السُّمرة هو الذي لم يتعرّض لأشعة الشمس منذ كانون الثاني.

صوّره رامح وظهّر الصورة في البيت ثم نزع صورة سليمان عن التذكرة والصق صورة نصري في المكان عينه. لم ترتجف يد رامح فبانت التذكرة وكأنها خارجة للتو من دوائر النفوس. سلّمها رامح  لنصري الذي صار اسمه سليمان.

 

قبيل الظهر بقليل و  قف  نصري في ظل إحدى شجرات الكينا التي تحاذي  طريق الشيّاح. كان يلبس معطفا انيقا ويعتمر قبعة لا تُلفت النّظر وينفث دخان سيكارة الKENT التي كان يهواها.

 

أوصله الى الشيّاح  رامح  وغادر. غادر دون وداع و دون  تَصَادُفِ عيونٍ أو تَصافُحِ أيدي. وقف نصري على الطريق و ذهب رامح في طريقه.

 

عند الظهر توقفت  سيارة  "كاراج العلمين" أمام نصري فصعد الى جانب السائق وعادت فأقلعت باتجاه دمشق.

 

وكذلك أقلعت سيّارة  خلفها  كانت تنتظر منذ ساعات  وتراقب.  لقد تبعت سيارة "كاراج العلمين" لا بل رافقتها. كانت  تلك السيارة سيّارة جورج وكان جورج يقودها.

 

 جورج بن يوسف واسما بو نادر رافق نصري حتى دمشق ومن دمشق صعد نصري في سيارة أجرة  الى الأردن . تبعه جورج  الى هناك حتى اجتازت سيارة الأجرة التي بداخلها نصري   الحدود السورية الأردنية فقفل عائدا الى بيروت.

 

في عشيّة ذلك اليوم لم يتحدّث أحد مع أحد ولم يلعب أحد الطرنيب مع أحد . في اليوم التالي كل ذهب الى عمله وصار صبيان المحترف والمحل ينقلون الأخبار ويدبّرون المواعيد بالإشارات.

 

قرابة الظهر التقى الفرسان الثلاثة في منزل الخالة ليزا وهم يبتسمون. نظر اسعد شاهين ،ابو نصري اليهم وقال : خير؟!  فقال جورج " يهنيك السلامي عمي اسعد، نصري صار بالأردن"

وبلمح البصر رنّت  صفعة بو نصري على خد جورج رنين جرس مار يوحنّا وصرخ " "لماذا لم تخبرني ؟ سأموت ولن أراه"!

 

لا أعلم إن اعتذر بو نصري من ابن حميه ،ولكنّي  أعلم والكل يعلم  ان بو نصري مات في صيف 1967  ولم  يلتقِ   نصري بعد كانون الثاني 1962.

 

شربل نجار

(يتبع)