رجل نقيض الإنقلاب الفاشل



  1958 نصري أبو سليمان 
 

عام 1969 عاد نصري ابو سليمان الى لبنان بعد غياب دام ثماني سنوات،  قضاها بين الأردن وباريس وساحل العاج إثر الإنقلاب الفاشل الذي قام به الحزب  السوري القومي الإجتماعي ليل 30-31 كانون الأول سنة 1961  .

يوم تواريه وانا ابن خالته كنت قد بلغت الثامنة من عمري وكان والدي قد قضى قبل أشهر من هذا التاريخ. وكان نصري البكر بين اخوته وهو واخوته  شكّلوا عونا لوالدتي  في تعليمنا  ومربانا ومثلا يحتذى لي ولشقيقي أنطوان وشقيقتي إليان. وامي روز لم تكن تكبر نصري الا باربع  أو خمس سنوات فهي من مواليد 1919 ونصري من مواليد 1923.

ولم أكن أعرف عن نصري في سنواتي الأولى إلا أن لديه سيارة أوبل زرقاء اللون سطحها أبيض. اما ما أذكره عن يوم الإنقلاب فهو أن فؤاد شقيق نصري  جاء لمعايدتنا صباح   عيد رأس السنة وكان خبر الإنقلاب قد انتشر والقلق على مصير نصري قد استفحل. وأول ما سمعت  فور دخوله  الدار سمعت   صوت أمي :"وينوي نصري؟"  فأجاب فؤاد : "بالبيت"!.

في ذلك الوقت  لم يكن نصري في البيت وكان المخبرون منتشرين  مجدّين في البحث عنه. وفي حيّنا كانوا  كثرا . فشارع كركبي،  على امتداد سينما امباسي التي لم تكن قد شيّدت بعد ، وصولا الى ذلك الجدار الأصفر الذي يشكل جزء من مبنى مدرسة الآباء العازاريين وراهباتها ، كان  ضيعة بحد ذاته. مشغرانيون ودير قوبليون وعين عنوبيون ومن كفرنيس وكفرمشكي وبحمدون وجلّهم أروام وجلّهم قوميون سوريون. كان شارع كركبي ضيعتنا  الشتوية وما كنت  لأتخيل  مكاناً أجمل من ذلك المكان  لشتاء وادع آمن في زمن الطفولة والمراهقة التي أمضيناهما في ذلك الحي.

لقد فشل المخبرون في اختراق ضيعتنا "الكركبية " ولا أذكر أن احدا من ابناء تلك الحارة سيق  الى سجن أو تحقيق. بينما كان منزل خالتي ليزا والدة نصري يتعرض لتفتيش  صارم  بين الحين والحين وصارت الخالة ترسل كل ما له علاقة بنصري من أوراق وصور الى منزلنا فتعتني أمي في البحث عن مخابئ لها لا يكتشفها إلا القديس أنطونيوس  رفيق أمي في البحث عن كل ضائع، عليه السلام.

بعد أشهر مرّت ثقيلة  ،بان النور في آخر النفق واتفق أن الغموم  انحسرت   في آواخر فصل الشتاء. عادت البسمة تضيء وجه أمي وبرزت من جديد الأراجيل تتلذذ بنكهتها العجميّة  الخالة ليزا والشباب أولادها   شاكر  وفكتورين وفؤاد وشاهين وجوزف. أما نصري فكان قد غادر الى الأردن. نزل  الهمّ عن أكتاف  الكبار وهلّ  فرحٌ
 وصار في الحديث متعة وللمواعيد تفاصيل وأوان الصعود الى المتين     كان قد حان فصارت ضيعتنا الصيفية في كل حديث وصار التلاقي في ربوعها  ابرز المواعيد بأدق التفاصيل.


وللصعود ترتيبات تبدأ بتوضيب البيت الشتوي قبل فتح البيت الصيفي. إذ لم يكن باستطاعة الناس آنذاك أن يشرّعوا أبواب منزلين  في آن،  إلا إذا كانوا من أصحاب الطبل والزمر و لم نكن  نحن من هذا ولا من ذاك على ما استطاع  ان يلاحظه ولد في مثل عمري.

كنت كالعديد من الأتراب نعدّ الأيام ولا نعرف متى تحين المواعيد إلا من خلال الإشارات  التي ترد تباعا بعد العيد الكبير ! كل الأصوات وكل اللذائذ إشارات . فبائع الخضار الجوّال وحماره من الإشارات ، وطعم الخيار في عرائس اللبنة اشارة ، وقرقعة تنفيض السجاد على الشرفات وسطوح الأبنية إشارة واختفاء الليمون  من جوارير البرّاد إشارة. الأكي دنيا إشارة ، وإشارة تسابق إشارة   الى أن  نرى انفسنا ركاباً في بوسطة تأتي  خصيصاً الى جوار المنزل فنحمّل على سطحها ما يجب تحميله يغمرنا شعور  بأن داخلها لنا وحدنا وسطحها لنا وحدنا وحتى الطريق  من الأشرفيّة الى المتين لنا  دون سوانا.

في المتين اول اشتياقاتنا كانت رمْيَ الناس بالسّلام حسب تعاليم عمّي.  وكان ذلك من  المجاملات الجمالات التي لا معنى لها في بيروت ولا قيمة ، الا في شارع كركبي  ، لأن سواه من  الشوارع  يقع خارج الضيعة الشتوية . وخارج الضيعة ، المعارف  قليلون والأحبّة نادرون والصدفة في من نصادف منهم خارج الكركبي استثناء.

ويمضي الصيف وتمضي الشتويات ويفلّس بنك أنترا عام 1966 وكان لأمي بعض مدخرات فيه ولغيرها  من الذين كانوا يعتبرون أن ذلك المصرف هو الأقوى ولم ينتبهوا ان فوقه  ومنذ تلك الأيام عصابة في الدولة هي الدولة إيّاها بإداراتها والأشخاص. وقد استرجعت أمي مالها لأن المبلغ كان بسيطا أما  البكوات و أصحاب الثروات فلا أدري إن كانوا قد خسروا أو استرجعوا أو لم.

ولم يكن يمضي شتاء وصيف ال1966 والزمن عندنا  شتاء وصيف على سطحين،  حتى جاءت سنة
1967 بزمهريرها وبِسُمِّها  والحروب والهزائم.

عام 1967 كانت الحرب وكانت الصدمة وكانت مظاهرة البسطة في الأشرفية وكانت صفحة تطوى من
عمر الزمان لتفتح بعدها عواصف المجهول على المجهول.

لا أدري ماذا كان يخط الزمان على الحيطان إلا أن العشب لم يكن داشرا وأن اسرائيل  اتقنت ضبط الإيقاع.

عام 1967  في الصيف مات بو نصري اسعد شاهين أبو سليمان ! وعمّت الحشودُ حيّ العين وما قبله وما بعده غير أن  فراغا  ثقيلا خيّم على الحارة وحي العين  والقرية بأسرها . كان الفراغ عنوانه  غياب نصري .

واستمر غياب نصري عام 1968 الا أن حدثين اثنين ميّزا تلك السنة . انتخابات الحلف الثلاثي في لبنان واحداث باريس التي افضت الى استقالة شارل دغول وقيام فرنسا جديدة تستند الى فلسفة جديدة في النظرة الى الكون والوجود والإنسان ومنظومة القيم  التي انهارت بالكامل.  

ومن الحدثين تعلّمنا!  

انتخابات الحلف جعلتنا نعي أن الأمور لا يمكن ان تبقى  على حالها وان اللبنانيين مقبلين على تطورات دراماتيكية يمكن أن تذهب بلبنان الى الجحيم. والجحيم فتح لنا الأبواب وتمنى لنا اسعد الأوقات واكد لنا أن  في ديارنا لصوصاً من داخل البلاد  وآخرون  من خارج البلاد وأن علينا ان نختار!

لست أنا من قال بل شارل حلو  الذي قال أن السياسيين اللبنانيين لا يتّخذون الا الموقف الذي يناسب مصالحهم وما يناسب المصالح  من المواقف هو اللا مواقف التي درجوا  عليها  بحيث لا يموت ديب ولا يفنى غنم ولكنها مواقف أفنت الغنم وكاثرت الذئاب.

تسلح شارل حلو بأبطال الحلف الثلاثي ولم يمالِئ جماعة فؤاد شهاب مؤثرا تأجيل الأزمات المتكرّرة والمستعصية الى عهد خلفه. وفي هذا المجال أيد وساعد وهندس انتصار الحلف الثلاثي وأصدر عفوا عاما عن قياديي الحزب السوريين القوميين وكان نصري من بين هؤلاء.

عام 1969 غادر الجنرال بستاني الى القاهرة واعدا نفسه برئاسة الجمهورية  الآتية عام 1970 وكأن صك الرئاسة بيد ياسر عرفات. فوقّع على اتفاق القاهرة هناك ، اتفاق اعطى حرية التحرّك والأمر والنهي لمنظمة التحرير الفاسطينيّة  وأعوانها.    

وعاد نصري أبو سليمان عام 1969 عبر مطار بيروت الى بيروت ومنها مباشرة الى المتين.

شربل نجار 
(يتبع)