علّمونا فتعلّمنا

قبضوا …وقبضنا ….وقبضايات


علّمونا فَتَعَلّمنا


من هو إسكندر رياشي؟
يقول شمس الدين العجلاني في إحدى دراساته ان إسكندر رياشي ولد عام 1888م في لبنان بقرية الخنشارة، الواقعة  في جبل لبنان  شمال شرقي بيروت، درس بالكلية الشرقية بزحلة، تنقل ما بين فرنسا والولايات المتحدة الأميركية ولبنان ودمشق، عمل مع المستعمر الفرنسي والبريطاني! وكان يتقن اللغتين الإنجليزية والفرنسية فكان معاوناً لحاكم البقاع الفرنسي، وكان متعاوناً مع المستعمر البريطاني في الوقت نفسه! وكان حاضراً معركة ميسلون مع المستعمر الفرنسي حيث كان ملحقاً بالمكتب الثاني الفرنسي، كما عمل مترجماً في القنصلية الفرنسية، وانتخب نقيباً للصحافة اللبنانية عام 1947، وجُدد انتخابه للمرة الثانية. ومع ذلك لم ينج النقباء السبعة الذين سبقوه من لسان قلمه وسخريته. وحين كان نقيباً للصحافة كتب يقول «بين السبعة نقباء سلفائي كان خمسة لا يعرفون الكتابة، أو بالأحرى إذا كتبوا فيكتبون بجهل وبفقر كاملين.”

ويقول الرياشي عن نفسه: «أنا لو رجعت إلى أصلي لكنت اليوم رئيس وزارة في لبنان مكان رياض الصلح أو شيخاً من الأزهر. إذ إنه لم يمض على آل الرياشي مئة وخمسون سنة عندما كانوا عرباً مسلمين أقحاحاً ينزلون في ربوعهم بمنطقة الصباح في اليمن. وكان والدي يعود إلى أصله من وقت لآخر، لذلك سماني: «الحسن»، وكنت مليح الوجه، وظللت هكذا حتى الأربعين. وبعد الاسم المسلم الجميل سموني الإسكندر تيمنا باسم الإسكندر ذي القرنين. وقد أكون حملت كل شيء في الحياة ما عدا القرون– جريدة أخبار اليوم المصرية 1948م نقلاً عن جان دايه».

الرياشي يسنأهل أن يُقرأ ويُقرأ فإنه  بالإضافة الى كونه “حرامي تجنتلمن”   فهو قد أرّخ في كتاباته لزمانه. وفي المقالة أدناه شيء من هذا القبيل.

شربل نجار

قبضوا …وقبضنا ….وقبضايات!

طبعاً عندما يكون هناك مال ، وعندما تكون هناك وظائف كبرى ، يقع أقوى الرجال في التجربة.

وليس جميع الناس – وأخصّهم اللبنانيون  – مثل المسيح الذي أخذه الشيطان الى رأس الجبل ، وعرض عليه  ما تراه عيناه من سهول ووديان وأنهار فلم يأخذ شيئا.

وعندما عَبًد اللبنانيون الذّهب لم يكن أحد يعرفه  قبل بيروت منذ الفينيقيين وهلمّ جراً.

وكانت سيرة المبالغ المالية الكبرى التي اخذ يدفعهما الفرنسيون لدعايتهم في لبنان قد جعلت لعاب الكثيرين من الزعماء السياسيين يسيل فشاهدنا  – ورافقنا – عدداً كبيراً منهم لزيارة المفوّضية الفرنسيّة ، ورأيناهم يخرجون بعد ذلك في لدنها وقد وقعوا صك القبول بالحماية  الفرنسية ، على ذلك السجل الذي كان الكابتن ” دام ” ، سكرتير المفوّضيّة السياسي و “خزندار ” الخمسة ملايين ونصف مليون جنيه  يقول عنه أنه أغلى سجل في العالم.

إذ ان تواقيع الذين سجّلوا تأييدهم لفرنسا عليه كلّفت أكبر قيمة  ممكنة من الجنيهات في عالم الدعايات، وكان بين أصحاب التواقيع في السجل بوجه خاص بعض الذين لا يزالون أحياء، والذين ظلّوا بالرغم  من كل شيء يفتخرون بكل مناسبة بأنهم صدّوا الفرنسيين ولم يقبلوا مالهم ، ويعتزّون بأنهم قاموا على الفرنسيين سنة 1943، حتى أنهم كانوا  – لا يزالون – يتبجحون أمامنا بهذا الإدّعاء، مع أن وثائقهم لا تزال بين أيدينا، ومع أننا كنا نتقاسم وإياهم أموال المفوّضيّة!

وبالرغم من هذا كلّه، فهم ينكرون أمامنا ذلك، فيفعلون كالمرأة الوقحة التي تزجر أمام الناس رجلا كان أمس في فراشها!

ونحن حسبنا نفسنا شريكا في القسمة ، لإننا كنا نعتبر  – وعن حق – أننا أفضل وأحق بالمال من هؤلاء الأكارم العظام ، المتبجحين بالوطنيّة ، والذين كانوا –  وهم يسبّون الفرنسيين – يقبضون أموالهم ويتزلفون إليهم ويبيعون وطنيّتهم وقوميتهم لهؤلاء بالخفاء، ثم يشتمونهم ويسبّونهم بالعلن.

وهكئا ما اشترى احد مسبَّته بالثمن الغالي  الذي اشتراه بها الفرنسيون!

وبالمناسبة يجب علينا أن نقرّ للفرنسيين بمكرمة نبيلة، هي أنهم لم يفضحوا   الذين انقلبوا عليهم في ما بعد ، بل ارسلت المفوّضيّة الفرنسية سنة 1941 اوراقها وسجلاتها تحرقها في أتون نار ، في هضاب بيت مري ، كي لا تقع بأيدي الذين يأتون بعدها . ومن هذه الأوراق ذلك السجل الذهبي الذي يتضمن اسماء  جميع  الذين  كانوا يخدمونها ويبيعونها البلاد بالخفاء، بينما يتظاهرون  امام الناس بالتجرّد والنزاهة والوطنيّة المستقلّة التي تقبل انتداباً!

وطبعا استخدم الفرنسيون في دعايتهم لكسب البلاد جميع الوسائل التي تحت أيديهم ، كما استخدموا جميع الرجال الذين استطاعوا  استخدامهم.

وهكذا استخدم الفرنسيون  أكثر القبضايات المعروفين في بيروت والذين كانوا اسياد الميناء والبلد، وذلك مقابل أجور تدفعها المفوضيّة  لهم. وجاءت حكومة الإستقلال سنة 1943 وقد حفظت الأمثولة عن الفرنسيين سنة 1918 – 1919، واستخدمت اكثر واولئك  القبضيات عينهم الذين ساعدوا فرنسا في بداية الإحتلال على تثبيت الإنتداب الفرنسي!

وظل أكثر هؤلاء القبضايات على قيد الحياة لكي يقتطفوا الموسم الثاني عام 1943عندما نزلوا الى الشارع  يتظاهرون ضد الإنتداب ويعملون للإستقلال، ويقبضون أجورا  باهظة مقابل ذلك، قد تكون أغلى أجور قبضها باعة الوطنيّة ودكنجيّة السيادة والإستقلال في العالم، ثمنا لإسترضائهم ، مع إقطاع الشارع لهم يتحكمون فيه اسيادا مخيفين!

وهكذا الشكوى االعامة الدائمة الآن من القبضايات وتحكمهم بالشارع ومسدساتهم، والجزية التي يفرضونها هنا وهناك، وحتى على الحكومة والبلدية – هذه الشكوى منهم يجب بالأحرى أن تكون من الفرنسيين الذين كانوا أول من جاء ببلطجيّة الميناء الى ميدان السياسة والتطبيق والتصويت الإعتباطي والتظاهرات السياسية المأجورة والإضرابات المفروضة!

ونحن لا نزال شاهدا حيّا على ذلك، اذ انني كنت من  الذين  كلفهم الفرنسيون في بداية الإحتلال بجمع أكبر عدد ممكن من القبضايات لخدمة فرنسا والدعاية لها!


وكان القبضايات يطوفون على الناس بعرائضفي بيروت ومدن السواحل ، يجعلون الأهلين يوقعونها بالسيف، وهي تطالب الحماية الفرنسية!

ولا يزال حيا يرزق زعيم الشباب الكبير الصديق ، الذي استلم من المفوّضية الفرنسية عرائض بذلك المعنى ، فأعادها بعد ثلاثة أيام فقط وهي تحمل تواقيع عشرة آلاف مسلم، مما كان صعبا ومستحيلا على غيره أن يعمله!


ويطلب الموقعون على تلك العرائض فصل لبنان عن سوريا تحت الحماية الفرنسية!

وكان ذلك الزعيم غالياً جدا، إذ أنه تقاضى عن كل كل إمضاء ليرة إنكليزية ذهبا!

ولم يكن يقبض غير الليرات الإنكليزية الذهبيّة ، إذ لا ثقة له بالجنيه الورقي المصري، ولا بغيره من أصناف العملة الورقيّة في العالم!


وهكذا،  ما عملت حكومة الإستقلال  سنة 1943 وبعده إلا ما عملته حكومات الإنتداب من قبلها، فلا شيء تغيّر في هذا الحقل. وأيضا بالرغم من الآمال المعقودة على العهد الجديد، الذي نعيش في ظلاله اليوم قد لا يتغيّر أيضا شيء!

فطالما المسدس  والخنجر لا يزالان على الخصر يحملهما البلطجي دون سؤال ولا جواب ، وطالما عقليّة الناس في الإغتياظ والإرتياح للبطل الذي يضرب غيره  بالرصاص، ولو كان ذلك معتديا، فستظل كل حكومة مضطرّة لإسترضائه وإرضائه.

والقبضاي لا يرضى بقصيدة شعر!

وقد رأيناه مع أعز  زعمائه وأكثر تعلّقا بهم ، يترك ذلك الزعي وينساه حالا عندما ينضب المورد.

رأيناه منذ ثلاثين سنة حتى الآن مع كل رئيس جمهوريّة ومع كل رئيس وزارة يقاتل ويناضل لأجله حتى يسقط. عندئذ يدير له ظهره ويفتش عن خلف له يؤمن الرزقة التي ذهبت مع الذاهب!

فعلى قدر ما تدفع تُخدم!

وعلى قدر أهل العزم تأتي العزائم.

وليس الفرنسيون وحدهم اخترعوا القول القائل : “اعطيني فعطيك!”


إسكندر الرياشي
إحدى مقالاته
من كتابه “قبل و بعد”
مطابع دار الحياة