هاجموها وسخروا منها

هاجموها وأمروها وسخروا منها: "المرأة اللبنانية مكانها المطبخ"

المصدر: "النهار"

مجد بو مجاهد

30 أيار 2016 | 17:07

وكأنها لم تدخل المدرسة في حياتها. أو كأن كليّات لبنان لا تعجّ بالمهندسات وخريجات ادارة الأعمال والناشطات الحقوقيات الى حدّ الاكتظاظ. أو كأنها تخرّجت لبروزة الصورة وتعليقها على الحائط فتستقطب عرسان الضيع المجاورة كي تعلّم أولادهم، الصبيان منهم. أو كأن العمل البلدي ربّما يحتاج الى ادارته وتنظيمه فكر رجلٍ تقليديٍّ متزمّت لا أكثر. والخبرة والشهادات سحابة صيف. المهمّ أن الريس محبوب ومطيع ولو أنه لا يعلم كيف يفكّ حروف اسمه. أو كأن هيمنة الأفكار التقليديّة على العمل البلدي صُدمت بهذا الكمّ الهائل من المرشحات الى الانتخابات البلدية هذا العام. فأتى بعضهم ليقول إن المرأة لا يجوز ترشّحها للانتخابات البلدية لأنها "امرأة". وكأنها مرتبطة بالأواني ومساحيق التنظيف والخفاق الكهربائي... وكأن ثوب البلديّة واسعٌ على خصرها.

إحدى النساء التي عملت كسائقة سيارة أجرة، جنّ جنونها عندما سمعت هذه الأقاويل وعبّرت عن رغبتها في صفع متبنيها في حال التقته وجهاً لوجه. في ظلّ هذه المعمعة، استتر اهم ما طرأ على استحقاق انتخابات 2016 البلدي. الجميع انشغل في تركيبة التحالفات السياسية المستجدّة ولم يتنبّه الى ان العنوان العريض للاسابيع المنصرمة كان: ثورة المرأة في الحقل البلدي. المرشّحات كثيرات. مندفعات. بارزات. يكسرن التقليد في مبادرتهن. كيف يقرأن النصائح التي تدعوهن الى الالتزام بدورهن المنزلي بعيداً من مختار المخاتير؟

أخبار ذات صلة

يسرى صيداني كانت أبرز النساء اللواتي تفوّقن في انتخابات بلديّة بيروت بعد حصولها على أعلى نسبة تصويت بين جميع المرشحين مشّكلةً بذلك سابقة يتوقّف عندها. وفي حديث لـ"النهار" كان لها موقف إزاء الحملات الموجّهة ضدّ دور النساء في الانماء. تقول: "ارى ضرورة التزام المرأة بواجباتها المنزليّة وهذا لا يتناقض مع عملها او نشاطها في الحقل الاجتماعي العام بل يتكامل معه. ان الواجبات المنزليّة ليست حكراً على المرأة فقط. أما لناحية ترشحها للبلدية فهذا حق لها كما هو حقّ للرجل، والاساس في الترشّح هو الكفايات والالتزام بخدمة الناس سواء كان المرشح رجلاً او امرأة".

لا تستطيع صيداني التعليق على دعوات حصر دور المرأة في الاعمال المنزليّة تحديداً غير أنها ترى أن كثيراً من التعليقات السلبية حول عمل النساء يأتي من عدم ادراك ومعرفة بقدرتها وكفيتها على إحداث التغيير المطلوب. برأيها إن العمل البلدي يتطلّب معرفة بواقع الناس المعيشي والاجتماعي وثمة الكثير من النساء اكثر التصاقاً بواقع الناس من هذه الناحية.

"من خلال تجربتك الشخصية كيف استطعت التوفيق بين دورك كربّة منزل وموقعك المهني ومشاركتك في الحقل الاجتماعي على حدٍّ سواء؟"، تجيب: "كنت أعمل كخبيرة محاسبة وكذلك في العمل الانساني والاجتماعي وكان اولادي صغاراً. وكنت احرص على اشراكهم في الاعمال الاجتماعية وادربهم لكي يكونوا فاعلين في هذا الميدان، مما يعني أن المشاركة الاجتماعية هي جزء لا يتجزأ من عمليّة التنشئة".

وتضيف: "اما الان وقد اصبحت لديهم عائلاتهم الخاصة يصبح التوفيق بين الامرين اقل صعوبة فيما يتفهم زوجي ضرورات العمل الانمائي والاجتماعي ولا توجد مشكلة، على رغم ان التوفيق يبقى دائماً من الامور التي احرص عليها".

بدورها تعتبر الفنانة سينتيا كرم التي سبق لها أن ترشّحت عن عضوية المجلس البلدي في بيت الدين أن هذه المواقف السلبية لا تستحق عناء الرد عليها لأن لا قيمة لها. وتقول في حديثٍ لـ"النهار": "لن أغيظ نفسي وأنخفض الى هذا المستوى الدنيء للرد. هو متربٍّ وفق هذه الأجواء ويراني بمثابة نكرة ولا يسعني سوى احترام رأيه لأن هذه تربيته في النهاية. ولكن اذا أردت أن أرد بشكلٍ عام أقول إن لا أحد يستطيع أن يبني منزلاً أكثر من الأم. البلديّة أشبه بمنزلٍ جامعٍ كبير، ولا أحد أكثر من المرأة يعلم كيف يدير شؤون البيوت من خلال حنانها واحترامها وثقافتها ورقّتها".

لا تنفي كرم حماستها في الترشح مجدّداً الى الانتخابات البلدية في الدورة المقبلة كي تغيظ كلّ رجل يتحدّى ترشيحها ويهزأ بها لكونها امرأة. وهي تتأسف لأنها لا تزال تجري مقابلة صحافيّة كهذه في القرن الحادي والعشرين، لكن ضرورات الأحداث والعقليّات التقليدية لا تزال تفرض نفسها في مجتمعنا.
"ماذا تضيف المرأة الى العمل البلدي اضافةً الى وجود الرجل؟"، تقول: "هي تولد كأم ولديها احساس مرهف وليست من النوع الذي يستسلم بسهولة بل تعمل على أصعدة عدة في آنٍ واحد. ومن منطلقي الشخصي اذا كان هذا الترشح يصبّ في مصلحة بيت الدين سأعيد الكرّة مجدّداً".

نجاح المرأة لا يتعارض مع مسيرة الرجل
على رغم ان دور المرأة يعتبر مكمّلاً لدور الرجل في المجتمع، بيد أن البعض لا يزال لا يؤمن بهذه المقولة. المعالجة النفسية التحليلية الدكتورة اليانا قاعي تلفت في حديثٍ لـ"النهار" الى أنه "يجب أن لا ننسى أننا ما زلنا نعيش في اطار مجتمع شرقي ذكوري حيث الرجل ينظر الى المرأة وكأنها منافسة له ويخاف أن تزاحمه خصوصاً أنها تمتلك قدرة تحمّل كبيرة وقوّة يعوّل عليها تخوّلها القيام بأكثر من مهمة واحدة في آن". وتعتبر أنه يمكن وضع الانتقاد في خانة المسألة الطبيعيّة على صعيد مجتمعنا لأن تقبّل فكرة استقلالية المرأة عن الرجل غير واردة ويعود ذلك الى عامل التربية السلبي.

وفي تحليلٍ دقيق لصدور تصريح رجعي كهذا من اعلامي متعلّم، تشدّد قاعي على ضرورة الفصل بين منطق العقلية الذكورية السائد في المجتمعات الشرقية والمستوى التعليمي والوظيفي. وعن الأبعاد الذاتية التي دفعته الى رفض دخول المرأة الى العمل البلدي والانمائي، تقول: "يمكن اعتبار أن نجاح المرأة في العمل الانمائي او النيابي يشكّل تهديداً لهذا الرجل أو إنه يخاف من أن تستطيع المرأة الوصول الى المراكز التي لم يستطع بنفسه الوصول اليها، مما يعني نجاحها في المكان نفسه الذي فشل فيه هو".

برأيها أن الإنسان المتصالح مع نفسه لا يمكن أن يعتبر نجاح المرأة تهديداً له، وتالياً فإن كان فعلاً واثقاً من قدراته لن ينظر هذه النظرة الدونية. إذاً، المسألة تكون مرتبطة بقلّة الثقة بالنفس والتهديد الشخصي للرجل الذي وضع نفسه في موقع الهجوم في نفس الوقت.

"ماذا عن تطوّر دور المرأة مستقبلاً كعنصر فاعل في العمل الانمائي والبلدي؟"، تجيب: "لن يستطيع الرجل التعامل مع المرأة بفوقيّة بعد اليوم لأنها باتت متعلّمة وذكيّة ومدركة لحقوقها وكيفية التصرف مع زوجها. ستسير الى جانب الرجل في العمل البلدي والسياسي خصوصاً أنه قد يتبادر اليها أفكار انمائية مختلفة وجديدة لا تتبادر الى ذهن الذكور".

تبقى الأهمية التي تتولاها المرأة في العمل البلدي منبثقة من خبرتها في هذا المجال وأفكارها البناءة لخدمة محيطها. هي كالرجل، فرعٌ من شجرةٍ واحدة. وما أجمل أن تزهو الشجرة مثمرة متكاملة عوضاً من أن يتصف نصفها باليباس، فلتكن نموذجاً للعطاء.