ذكرى الأربعين لحرب المتين



ْ
سيرة الضابط  الطيار فهيم الحاج

الحلقة الثانية


جانب من قاعدة رياق الجوية في نهاية القرن العشرين


مواجهة مع غابي لحود

حاول المكتب الثاني في عهد الرئيس فؤاد شهاب ، أن يفرض نفسه لاعباً أساسيا في خيارات المواطنين الإنتخابيّة، وذلك من خلال محاولته الضغط عليهم بشتى الطرق من أجل الإقتراع للمرشحين الموالين له. كان أحد الذين تعرضوا لمثل هذه الضغوط حليم الحاج ، والد الملازم فهيم الحاج والذي كان يدعم ترشيح سليم لحود في مواجهة مرشح الرئيس فؤاد شهاب العقيد جميل لحود. وكان فؤاد شهاب  قد أقنع  العقيد جميل لحود بالإستقالة من الجيش والترشح للنيابة ، وذلك بهدف قطع الطريق عليه للوصول الى قيادة الجيش خوفا من أن يؤثر  ذلك على شعبيته في صفوف المؤسسة العسكرية.

جاء الضغط على حليم الحاج من خلال ابنه الملازم فهيم وذلك عندما استدعاه رئيس فرع الأمن العسكري في المكتب الثاني المقدّم غابي لحود ووجه اليه تهمة التدخل في السياسة . رفض فهيم الحاج هذا الإتهام وادرك أن المقصود به الضغط على والده من أجل سحب تأييده لسليم لحود، وقال للمقدم لحود : "اعتقد ان هذا الإستدعاء هو لتشغيلي في السياسة ". ثارت ثائرة غابي لحود لدى سماعه  هذا الجواب وعلا صوته حتى وصل الى خارج المكتب وعندما سمع مرافقوا لحود العكرة داخل مكتب ريسهم دخلوا وامسكوا بالحاج وقد شعر الملازم الحاج بالإهانة  فنزع رتبته العسكرية عن كتفيه وقام بوضعها على الطاولة امام المقدم لحود وقال له : "اذا كانت هذه الرتبة ستجلب لي البهدلة بلاها سيدنا".

 

لم تكن هذه الحادثة هي الوحيدة التي تعرض لها فهيم الحاج إبان حكم فؤاد شهاب. فبعد المحاولة الإنقلابية التي قام بها الحزب السوري  القومي  الإجتماعي عام 1961، وضع المكتب  الثاني الملازم فهيم الحاج تحت المراقبة لفترة طويلة، وذلك بسبب زواج شقيقتيه من شابين ينتميان الى الحزب القومي. كما جرى تأخير ترقيته سنة  كاملة لإعتراضه على قيام عناصر من المكتب الثاني بجلد رئيس "بلدية المروج" الطاعن في السن في ساحة البلدة وذلك بسبب انتمائه الى الحزب السوري القومي الإجتماعي.

بعد نكسة حزيران عام 1967 قررت الحكومة اللبنانية تعزيز شبكة دفاعاتها الجوية بوجه العدو الإسرائيلي ، وقامت لهذه الغاية بابرام صفقة مع الحكومة الفرنسية لشراء صواريخ كروتال  المضادة للطيران ، وفي اطار التحضير لإستقبال هذه الصواريخ شرعت قيادة الجيش ببناء شبكة انذار مبكر على جبل الباروك، وعين "النقيب فهيم الحاج"  آمرا لمفرزة الجيش في الباروك وكانت ورشة البناء تتم بفوضى عارمة، وعمليات سرقة المواد الأولية من قبل  المتعهدين كثيرة، بالرغم من التقارير العديدة التي رفعها النقيب الحاج الى قيادة الجيش بهذا الخصوص فإن الأمور بقيت على ما هي عليه.

 

الحرب الأهلية ... قاعدة رياق في عين العاصفة

لم تسلم مؤسسة الجيش من فيروسات الحرب الأهلية عام 1975، فسرعان ما أصابها التفكك والإنقسام، وراحت الثكنات تتساقط الواحدة تلوى الأخرى بأيدي الأحزاب والميليشيات من مختلف الإتجاهات حتى وصل الدور الى قاعدة رياق الجوية والتي راحت تتعرّض للقصف بين الحين والآخر من مواقع المنظمات الفلسطينية في "كفرزبد". كان ذلك بهدف اجبار عناصر الثكنة على اخلائها تمهيدا للإستيلاء عليها. ومع تفاقم هذه الإعتداءات ، وفي ظل قرار قيادة الجيش بمنع طائرات القاعدة من التحليق ، قرّر قائد القاعدة المقدم فهيم الحاج التصرف من تلقاء نفسه، فأصدر أوامره لطائرتين تابعتين له بقصف مواقع المسلحين في "كفرزبد" وعندما وصل الخبر الى "اسكندر غانم" قائد الجيش اتصل بالمقدم ولامه لمخالفته أوامر القيادة فكان جواب المقدم الحاج له: "ان عملية الدفاع عن النفس لا تحتاج الى اذن مسبق".

 

في اطار سياستها الهادفة الى تفكيك بنية الجيش اللبناني سعت المنظمات الفلسطينية الى اسقاط ثكنة أبلح والتي كانت بقيادة العقيد أنطوان لحد. كان المقدم فهيم الحاج في مكتبه في قاعدة رياق ، عندما دخل عليه "فايز الحلاني" احد ضباط ثكنة أبلح وأبلغه ان الثكنة مهدّدة بالسقوط بأيدي المنظمات الفلسطينية بسبب ممارسات العقيد انطوان لحد ومعاونه المقدم ابراهيم طنوس بحق الضباط والعناصر المسلمين في الثكنة. واقترح عليه تسلم قيادة ثكنة ابلح تداركا للأسوء.

في ثكنة أبلح وجد المقدم الحاج الوضع في اسوء حال بعد أن أعلن الضباط والجنود المسلمون تمرّدهم على أوامر "العقيد لحد" ومعاونه طنوس بنشر العناصر المسيحية خارج الثكنة للدفاع عنها وابقاء العناصر المسلمة داخل الأسوار. وبعد مناقشات عسيرة استمرت طيلة النهار قادها المقدم الحاج تم التوصل الى تسوية تقضي باصدار" لحد " مذكرة خدمة يفوض فيها "النقيب الزين" عملية تنظيم الدفاع عن الثكنة ، لكن هذه التسوية لم تبصر النور فالنقيب الزين فضّل البقاء في منزله في النبطية في ظل الظروف الأمنية في البلاد .ومع احجام الزين بدأ البحث  من جديد عن آلية أخرى للحل. لكن الملازم أول "يوسف الطحان" استبق الحل مغادرا الثكنة مع عناصره الى "مدينة زحلة" حيث التحقوا بميليشيات الجبهة اللبنانية. استغل الفلسطينيون هذه التطورات فاسقطوا الثكنة "بالتعاون" مع ضباطها المسلمين وقاموا بعد ذلك بتسليمها الى جيش لبنان العربي بقيادة احمد الخطيب.....

بعد سقوط ثكنة أبلح  توجهت انظار المنظمات الفلسطينية الى "قاعدة رياق الجوية" . ففي صباح 14 3 1976 (قبل اسبوع من بداية حرب المتين)  حضر المسؤول في حركة فتح المدعو "ابو خالد " مع عدد من مرافقيه الى قاعدة رياق وطلب من المقدم فهيم الحاج تسليمه القاعدة حتى لا تلقى مصير ثكنة أبلح. رفض الحاج وحصل تلاسن تدخل على اثره "انطوان لحد" الذي كان قد لجأ الى القاعدة اثر سقوط ثكنة أبلح داعيا "الحاج" الى تسليم القاعدة حفاظا على ارواح الجنود والضباط فيها لكن "الحاج" رفض وطلب من الفلسطيني مغادرة القاعدة. رفع ابو خالد عصاه في وجه الحاج وقال له بلهجة التهديد :" لن يطلع عليك الصباح وأنت حي"....

يتبع