إكليرسان


 

إكليرسان! *

الدين بريء من كل إثم إنّما رجال الدين وككل الناس تزينّهم أعمالهم ويقيّمهم التاريخ.


البطريرك الياس الحويك

كان  المطران الماروني  يرسل الى القرى كاهنا فاحصا يراقب "اكليروسه الأبرشي" فيصغي الى أقوال الناس في احوال "خوريهم"!

لم يخبرني أحد أن خوري رعية مار جرجس المارونية في المتين كان لِيُخِلّ بقوانين الكنيسة أو الأخلاق  بل قيل لي أنه كان مصلحا وحلّال مشاكل  ولم أكن لأتوقّع  من أحد العيان ان يقول لي العكس لأسباب شتى ، غير ان احد المتينيين  وهو نسيب نادر ابن شقيق الخوري فرنسيس نادر من المتين أخبرني يوما أن  راعي تلك الكنيسة كان" يطيل الوعظ حتى يُطّلِّع دين الناس "..... كما أخبرني عن بيت الخلاء الذي اضطر أن يبنيه الخوري تشريفا للمطران إغناطيوس  مبارك الوافد في زيارة الى المتين...وكان بيت الخلاء عند الخوري "على قد الحال"،"فَنَدَهَ" بركات بو فرحات معمرجي المتين ذلك الزمان وطلب منه ان يبني له بيتا للخلاء ويعدّه لإستقبال المطران.

غير أن الخوري لويس النجار راعي تلك الرعية  وقف يراقب المعلّم بركات وهو يبني بيت الخلاء  في احد أيام تموز الحارقة. نالت منه الشمس ولقحته في الفراش أثناء الزيارة. وبينما كان المطران مبارك يتمتّع بمباهج الزيارة ومدائح المستقبلين وموائد الداعين شاغلا بيت الخلاء من حين الى حين  ، كان وكيله في المتن يتلظّى بحروق الشمس تداويها الخورية بما تيسّر من لِبَخ المياه الباردة لتخفيف وهج الحروق  و لِبخ العرق المشبع بالكحول  لإسقاط الحرارة.!!

هذه الأخبار كان يعرفها الخوري اسطفان البشعلاني ،  رواها له المطران مبارك ومَن ساءلهم من دروز ونصارى المتين عندما زارها فاحصاً . ولا ادري إن كان البشعلاني يعرف الخوري لويس قبل زيارته، إلا انه وبعد الزيارة أكد صداقته في كتابه " تاريخ بشعلي وصليما" وشرح ما وجد في بيت زميله الخوري  من كنوز الماضي واحاديث الحاضر،ومنها وثيقة تكريس كنيسة مار جرجس المارونية في المتين.
لقد دخل  البشعلاني بيت الخوري لويس  زائرا فاحصا وخرج منه صديقا وافيا.

كرس البطريرك اسطفان الدويهي عام 1672 كنيسة مار جرجس المارونية  في المتين وارّخ بخطه على شحيم الكنيسة تفاصيل الحضور . وكان بين  الحضور أمراء وكان مطارنة وكهنة وخواجات غير أنه لم يكن في الكنيسة  راهب واحد.

منذ أن قرأت ذلك التاريخ الوثيقة في كتاب البشعلاني  منقولا عن الشحيم الذي كان يحرسه جيدا الخوري لويس النجار  وأنا ابحث عن المنطق  في استبعاد الرهبان عن احتفال  هام كهذا الإحتفال.وسرعان ما تبدّى لي  ان الرهبنة بالمفهوم القانوني لاحقة لحركة انتشار الكنائس وليست  سابقة لها.

وما كان واقعا رهبانيا   في حدود عام 1672 ، إنما هو  مبادرات نسكية عديدة  في كهوف وصوامع امتدّت من أقاصي  شمالي سوريا الى أقاصي  جبل لبنان .

وعلى يد الدويهي الطوباوي اليوم وقديس كل يوم إنتشرت الكنائس في الجبل الأوسط  بفضل "الإكليروس الأبرشي" الذي بناها  ورفع أجراسها ونظّم رعاياها  وأوجد لكل منها راعيا يرعاها.

أما الرهبانيات القانونية  من مارونية وسواها فقامت  على أكتاف شباب  أتوا من حلب ومن كل المشارب والمقاصد. والدويهي كما   الموارنة من أولئك الحلبيين  انشؤوا قانون "الإكليروس الديري" الماروني كما أسّسوا  الرهبانيّة المارونية الحلبية التي توزعت فيما بعد بين لبناني ومريمي وانطوني.  رهبان حلب هؤلاء متفوقون مثقفون مجرّبون ينتمون الى العائلات الحلبية المسيحيّة الكبرى فأقام المنشقون الأرثوذكس  الرهبانيّات  الكاثوليكيّة وساعد الأورثوذكس  الآخرون  في قيام  رهبانيات الروم الى جانب يونانيين وروس.

صحيح أن الرهبان في تواريخ أديرتهم حاولوا  إرجاع بداياتها الى القرن السابع عشر وحتى الى نهايات  السادس عشر غير أن تاريخ الرهبانيات القانونية لم يبدأ قبل بداية القرن  الثامن عشر وإثر وضع الكنيسة المارونية في ما خصّها  قانون الرهبان الديريين عام 1698 ومنهم من يقول عام 1700.

وثيقة تكريس كنيسة مار جرجس المارونية في المتين وإن لا تبدو بمشهدية لوحة دو لا كروا في تتويج نابوليون إمبراطورا،  فهي تشير مؤكدة  أن الثقل كان للإكليروس الأبرشي خلال القرن السابع عشروالجزء الأول من القرن الثامن عشر. إكليروس أبرشي  بنى علاقات محكمة مع الإقطاع وحمى اصحاب الزراعة والفلاحة القرويّيْن  قبل انتشار الرهبان بين أقاصي الجبل وأقاصيه.والحركة الأبرشية هذه بدأت مع أوائل البطاركة ووصلت الى الجبل منذ ان كان في جبل لبنان الشمالي بطريرك ومطران وكاهن ورعية لكنيسة.
وقد لحقت الكنيسة بالنزوح الفلاحي وليس العكس. فحين تمدد النزوح باتجاه كسروان والجبل الأوسط في منتصف القرن السابع عشر وتجذر في  فلسطين و مصر لحق به الإكليروس الأبرشي عبر بناء الكنائس وتنظيم الرعايا . وكان في ذلك مصلحة للإقطاع والإكليروس الأبرشي  معا . فالأول سهّل تثبيت اليد العاملة المسيحية في  أراضيه لحاجته القصوى ليد عاملة ثابتة   والثاني  جاهد  في تثبيت سلطة روحيّة قضمت من سلطة الإقطاع حتى السيطرة الكاملة عليه  عبر تنصّره ابتداء من اواسط القرن الثامن عشر وهنا ايضا يقدّم شحيم كنيسة مار جرجس المتين وثيقة تنصر اللمعيين الدروز على مذبحها عام 1835  وهو تنصر متأخر إن قيس بزمن تنصّر لمعيّي صليما أو شهابيّي راشيا وحاصبيا.

لا شك في أن تمدد الإكليروس الديري  قد شكل تغيّرا جذريا في الحركة السياسية الإقتصادية والإجتماعية الجبلية  في القرن التاسع عشر. فالعقيدة الرهبانية الناشئة على نذور الفقر والطاعة والعفّة  قد " صنعت  العجائب"  وجعلت  من هذه المجموعة قوة هائلة القدرة لا بل عمارة إقتصادية كبرى نافست الإكليروس الأبرشي في التقرّب من الإقطاع  أولا ومن المخوجية بعدها وصدّت  مرارا مطامع الأبرشيات في  تلك الثروة الرهبانية الهائلة  التي تحكّم الرهبان بإنتاجها  وإدارتها .  وكان  كلما حاولت الأيدي الأبرشية الإقتراب من الثروات الديرية لإمتصاصها  أو  الإستئثار بها ، قامت القيامة واستقال من استقال وحرم من حرم وطرد من طرد والأمثلة كثيرة  وفي المتين بعضها والزمن الذي مرّ  غير كاف في بلادنا ليسمح  بتفصيلها إنما تناولها بخطوطها العريضة أمر لا بد منه لفهم التركيبة الفلاحية الحرفية المتينية التي تجاذبتها فانهكتها في القرون القريبة الماضية سلطتان : سلطة المال وسلطة الكنيسة . 

كانت الإنزلاقات تدميريّة...فكم من مطران ماروني استنجد بالمقاطعجيين الشيعة  من آل حماده لمعاونتهم على الرهبان الموارنة. فالمطران الياس محاسب دفع  عام 1737 للشيخ بو قاسم حماده 500 قرش لمضايقة الرهبان . ألم يجر ذلك عام 1723 في عمشيت  وهل اقتصر الأمر على عمشيت  أم كان هذا النوع من التّعدي شائعا في كافة المناطق كما في الزاوية وعكار ورومية وكفرزينا وجبيل والمروج وغيرها.؟

إن هذا النوع من الإنزلاقات أو الهزات التي رافقت المسار الكنسي العام في جبل لبنان لم تنته إلا حين بدأ  الإستئثار الأبرشي يشل الديناميكية الديرية. ويحدد الأب مارون كرم بداية الشلل عام 1888 مؤكدا  أن الإنحدار العمودي للمؤسسة الرهبانية اتى إثر زوال صندوقها العام  بعد 144 سنة على إنشائه عام 1744.وعند  استلام  الإكليروس الأبرشي ادارة انتاج الإكليروس الديري" برزت الكنيسة المارونية وعلى رأسها البطريرك اكبر قوة عقارية في جبل المتصرفية مما سمح للبطريرك أن ينصب نفسه ناطقا باسم الموارنة وباسم المتصرفية وحتى باسم ما سيكون...أي لبنان الكبير ولنا في الوفدين اللذين أمّا مؤ تمر الصلح في باريس وفد البطريرك الحويك ووفد المطران عبدالله الخوري خير دليل على ما قدمنا إذ تلاقت المصلحة الداخلية الممسكة بأغلبية الأرض في المتصرفية ومصالح فرنسا في الشرق الأدنى على كسر المشروع القومي العربي عبر   إقامة دولة لبنان الكبير وهذا لا يعني ان الكنيسة كانت تحضر لقيام وطن قومي ماروني على غرار الوطن القومي اليهودي  كما جاء في بعض الدراسات اللبنانية خلال الحرب اللبنانية (1975- 1990) بل كانت الكنيسة إنطلاقا من التجذر التاريخي والمادي  المكتسب حريصة  على التحضير لقيام وطن ثابت مستقرالزوايا  للموارنة ولغير الموارنة من طوائف وذلك في عالم شرق أوسطي-  ولبنان منه وفيه-  متقلّب على ذاته  ومعرّض لأطماع من كل حدب وصوب. 

لم نقرأ عن صراع بين الإكليرسين في المتين وعليها في دفاتر الرهبان ومذكّرات الكهنة و العوام باستثناء ما جرى في المروج بموضوع مار تقلا.

لكن المتين وبحسب خطوط التماس التي ضربتها مع ظهور نفوذ آل عقل وبداية أفول نجم بيت بو اللمع،  تظهر أن الرّب كان بحماية الأبرشيين في المحيط القريب من بيت بو اللمع بينما كان العقليون يشدون أزر الديريين في حارة "الفواقنة"  لحماية الرب أيضا هناك.

إن الأغلبية الساحقة من رهبان المتين كانت من آل سلامه وناكوزي بينما قلة  ديرية قليلة نبتت في بيت بو سليمان وخيرالله وربما سواها. ف"التْحَاتني" تطوّعوا في  الإكليروس الأبرشي منذ حركة بناء الكنائس الأولى زمن الدويهي  بينما آباء آل سلامه وعقل  والناكوزي وسواهم من العائلات " الفوقانية"  اندفعوا باتجاه دير مار مخائيل ومدرسة المتين  عبر الدّعوات والمساعدات والوقفيات التي وقفها آل عقل للمدرسة منذ إنشائها. ووثيقة 1804 التي عثر عليها الأب بليبل في مدرسة المتين والخاصة ب"وقفية دحويش" تعتبر خير دليل على ما تقدّم.وللإستزادة،  فإن سلسلتي اسماء الرؤساء المتينيين لديري  مار مخايل المتين ومار موسى الدوار تؤكدان  مدى ثقل "الفواقني" في الإكليرس الديري. وتؤكد كذلك سلسلة خوارنة الرعايا في مار جرجس ومار يوحنا مدى  تجذّر الإكليروس الأبرشي في تينك الرعتين. ويبقى ليباوس بو سليمان العالم (1850) وبولس المدبّر(1908) والأب مخايل خيرالله(1930) واغناطيوس الأب العام للرهبانية اللبناية  وكان اسمه "افرام" وارتسم عام 1931. إنهم  جميعا من الإستثناءات في التركيبة الديرية المتينية.

ليس لدينا معرفة وافية بالذي كان يدور في الزوايا والتكايا المتينية من صاراعات سياسية  وكنسيّة وطبقية ، غير أن  التوزّع الكنسي  كما جرى منذ القرن الثامن عشر وحتى  أبواب القرن العشرين  يشير  لا بل ُيظّهِر   مدى  ضراوة  الصراع الذي  كان قائما في المتين بين "تحت" و"فوق"منذ القرن الثامن عشر وحتى بداية الحرب الأهلية في لبنان.

  شربل النجار
* من كتاب "على أبواب الإنتداب" يصدرقريبا