الهجرة ، بداية قصّة شرحها يطول

 

 تقرير قنصلي

من "ماجلسن" القنصل في بيروت

الى "لوميز" في الخارجيّة - واشنطن

وبداية قصة شرحها يطول

 

التقرير

ذكرت في رسالة سابقة ان قرى بكاملها في هذا الجبل باتت فارغة أو شبه فارغة. وتجد قرى بلا رجال. وإحداها سميت "قرية الأرامل  لأن الرجال خرجوا الى وراء البحر وتركوا النساء واختفت اخبارهم! لكن هذه حالة شاذّة

وعموما" فالبيانات المنشورة في المطبوعات السوريّة عن المهاجرين السوريّين تعوزها الدّقة  ولا بدّ من ان نلاحظ أن المهاجرين السوريين يقتصرون غالبا على لبنان الذي ينتمي سكانه في الغالب الى طبقة الفلاحين. وهناك بلا شك عائلات عريقة ذات نفوذ كبير في لبنان ولكن  من النادر ان يهاجر منها أحد.  ومن ثم سأقصر تقريري على طبقة الفلاحين المذكورة

 

 

تذكرة هويّة ارجنتينيّة لمتيني من آل القنطار نهاية التاسع عشر


نظرا" لطبيعة ارضهم الصخريّة والتجارب الصعبة التي اكتسبوها في مجال حراثة الأرض  فان ذلك يجعل منهم اضافة قيّمة لسكان الريف عندنا اذا شجعناهم على العمل في هذا المجال. لكن لسوء الحظ لا تتوافر لديهم النية أو الميل للإشتغال بنوع العمل الذي من الطبيعي  ان ننتظره منهم. وكما يتضح من البيانات  التي قدمها المواطنون العائدون فانهم يشتغلون جميعا بالتجارة، ويعني ذلك في كثير من الحالات  أنهم باعة متجوّلون ، ولنا أن نتخيّل بسهولة ملامح البائع السوري المألوفة الذي يرتاد الطرق الترابيّة في الرّيف الأميركي . انه يذهب الى أماكن قصيّة لا يذهب اليها غيره لكنّه في المقابل غير مستعد بعد الآن حراثة الأرض وزراعتها

 

جزء من لائحة بمهاجرين متينيين احدهم من مشيخا

.

من الناحية العمليّة لم يأت اي من هؤلاء المهاجرين من بيروت أو غيرها  من المدن التجاريّة، ونسبة من تعلّموا منهم  في المدارس الأميركيّة في سوريا ضئيلة جدا". فهم  ، وعلى نحو ما وعوض النزول  من الجبل الى المدن لامتهان التجارة ينزلون من الجبل الى أميركا لفعل ذلك

من جهة أخرى فنموذج السوري الذي يتأمرك بسهولة، نجده غالبا من تأثر بالثقافة الأميركية في هذا البلد. : ففي الكلية الأميركيّة في بيروت  مثلا والموجودة هنا من سنة 1866 يتّبع المحاضرون الأميركيون  المناهج الأميركية. والقساوسة يدرّسون التوراة والانجيل جنبا" الى جنب مع العلوم والجغرافية والرياضيات والتاريخ الطبيعي. ويمكن بمراجعة سجلات مرفأ بيروت وسجلات (اليس ايلند) ان نتبيّن مدى قلّة عدد من يذهب الى اميركا من أولئك الخرّيجين السوريين المتعلّمين وهكذا نرى أن 37 خرّيجا فقط من أصل 842 خرّيجا هم جملة خرّيجي الكلّية  -  اي اقل من 5.4 في المئة قد هاجروا الى أميركا. وهؤلاء المهاجرون ال37 ينقسمون الى عدد من اللإختصاصات وبينهم 8 أطباء و6  صيادلة و3 قساوسة و5 درسوا التجارة ومسك الدفاتر

 

 

متينيّان من آل الحلبي في البرازيل

 ألسوري العادي في اميركا يعيش بأقل نفقة ممكنة عيشة الضنك ليوفر أكبر قدر ممكن من المال يرسله الى بلاده او يحمله معه عند عودته. وقياسا على عدد من عادوا الى بلادهم لبناء المنازل وشراء الأراضي يبدو أن منتهى ما يطمحون اليه ان يصبحوا من عداد الملاك في بلادهم. ومن الملاحظات العامة الشائعة بين السوريين الأجانب ان كل البيوت التي بنيت في لبنان بالسقوف القرميديّة انما بنيت بأموال جاءت من  اميركا. ولنضع في اعتبارنا انه تكاد لا توجد قرية في أي منطقة نائية في لبنان لا يشيد فيها بيتان او ثلاثة بيوت جديدة بسقوف قرميد الآن  بينما أخطّ هذا التقرير، وأنه قد تم بناء قرى بأكملها على هذا النحو أحيانا، وهكذا يمكننا التعرّف على حجم الأموال التي نزحت من أميركا واستثمرت استثمارا دائما في جبل لبنان . ويمكننا الحصول على فكرة بسيطة عن الأموال التي ارسلها المهاجرون السوريّون الى بلادهم مما تذكره بعض مصادر البنك العثماني الامبراطوري عن تلقي ما بين 400 و500 الف جنيه استرليني من هذه التحويلات. والقسم الأكبر يأتي من الأميركيّتين . بين قرى الجبل نذكر دير القمر والشوير ودوما والمتين والزوق  التي باتت معظم بيوتها تتغطى بالقرميد الأحمر، والقسم الأكبر من مهاجري هذه البلدات  يستوطنون اما الولايات المتحدة أو الأرجنتين

 

المتين موارنة هجرة  - نقلا عن لوائح وزارة الداخلية

 ورغم القيود التي تفرضها السلطات العثمانيّة على المهاجرين المتجنسين بالجنسيّة الاميركية يغامر عدد كبير منهم بالعودة الى بلادهم الأصليّة. وخلال مدة عملي في هذه القنصليّة في بيروت والتي زادت على خمس سنوات، سنحت لي الفرصة النادرة لدراسة  هذه الشريحة  والكلام معهم  ولم يقل احد من العائدين انه اسرع بالعودة أملا في اقامة مشروع تجاري او استثماري ، ولكنّهم كانوا يقولون دائما  انهم عادوا لزيارة اسرهم أو لتصفية ممتلكاتهم وعدد لا بأس به عاد للبحث عن زوجة . وفي بعض الحالات كان المرض وسوء الحالة الصحية دافعا للعودة

 

المتين كاثوليك هجرة

 

 الرواية

 

في هذا الجو غادرت مرتا اندراوس الحداد ضيعتها بتاتر سنة 1901 تاركة العمل في كرخانة بورتاليس لحل الحرير،  فاتجهت الى مرفأ بيروت حيث دفعت الناولون وصعدت الى  باخرة  مبحرة باتجاه  مرسيليا ومنها الى نيويورك بحثا عن زوجها خليل. في هذا الجو، نزل ايضا الى مرفأ بيروت  متينيّون ساعون الى بلاد الزمرّد .  بعضهم توقف في مارسيليا وآخرون  توجهوا الى الهافر ، صعدوا الى  الاتلنتكا شيب التي ابحرت بهم   الى اليس ايلند ، كرنتينا النايورك -  او بوابة الدخول الاجبارية الى اميركا

      لما نزلت مرتا الى رصيف الحوض  النويوركي متمسكة بكيس الجنفيص الذي يحوي متاعها ومالها وغذاءها من التين المجفف  والزبيب والنعناع اليابس التقت بسوريين عرفتهم من ثيابهم وطرابيشهم الحمر . ضحكاتهم رفعتها الى الأعلى ، شعرت انها تطفو على الهواء. كانوا من طبريا وحوران ودمشق وجبل لبنان ، جرجس الخوري اتى من المتين  ولم تفارق نظراته جمال مرتا طوال الرحلة و حتى عندما  تقابلا على رصيف الحوض. انها قصة شرحها  يطول وربما  عدنا اليها في وقت لاحق

عن كتاب اميركا للربيع جابر بتصرّف
ارشيف أهالينا (قوائم الهجرة المتينية)
ارشيف المحامي فيصل القنطار ( صورة الهوّية)
ارشيف السيد محمود الحلبي  (صورة الأخوين حلبي)