خبز أمي


 

خبز أمي .....

مع الصباح الباكر تسللت إلى أنفي رائحة شهية لذيذة أيقظتني من نومي فنهضت متثاقلاً وتوجهت إلى باحة الدار ثم إلى غرفة الخبز العتيقة التي اكتست حيطانها بالشحتاروالسخام وتدلت من سقفها خيوط العنكبوت وعبق جوها بالدخان, هناك حيث كانت أمي قد حضرت العجين من الليلة السابقة وباشرت الخبز باكراً قبل شروق الشمس، وكأن للخبز طقس مقدس فقد جلست متربعة على الأرض أمام (الطبلية) وجعلت ترق عليها قطع العجين الممزوجة بالطحين، فتضربها ضربات إيقاعية محببة وتحولها إلى دوائر كبيرة رقيقة، ومن ثم (تهلها) بين يديها وتضعها على (الكارة) وتسويها ثم تطبعها على الصاج الذي أشعلت تحته نار الحطب الهادئة، وما يلبث الرغيف أن تعلوه الفقاعات الهوائية فينضج ويبعث رائحته الشهية اللذيذة
...

أطعميني يا أمي، قالت: يا حبيبي خذ هذا الرغيف المحمص حتى يحين موعد (الطلامي) في أخر الخبزة، فأخذته وتناولته بشهية؛ وبعد قليل اجتمعت كل العائلة حولها تساعدها في عملها، وكل ينتظر دوره لينال (طلمه بدهن) أو (بزعتر) أو (رغيف محمص مع لبنة وزيتون) أو (فطاير بسليقة)؛ وتنتهي الخبزة ونتعاون لنقل أرغفة الخبز وتتولى أمي من جديد نقلها رغيفاً رغيفاً فترصفها وتوزعها على الطاولة الخشبية بعد أن تغطيها بقطع قماشية حفاظاً عليها من اليباس والرطوبة، وتقفل باب القبو ولا تنسى ان تقفل معه (الطاقه) التي يمكن أن تتسلل منها الهرة وتقضم (تصرد) الأرغفة.

تلك كانت أمي ككل أمهات ضيعتنا , أطعمتنا خبزها المجبول بحبها وحنانها، اتذكرها اليوم في عيدها وطعم ذلك الخبز لا يزال تحت أضراسي؛ ... يا أمي ... أحنّ اليك... احنّ الى خبز أمي...